|
|
الفصل الرابع |
|
لقد تطور
مفهوم
التنمية
عالمياً منذ
أواسط القرن
العشرين
الميلادي ،
وانتقل من
اقتصاره على
التنمية
الاقتصادية
إلى شمولية
التنمية
الاجتماعية
والبيئية
بشتى أبعادها
، وأصبح من
المقبول
محليا
وعالمياً ، بل
من المطلوب أن
تشتمل أية خطة
تنموية على
إفادة الشعوب
منها على أوسع
نطاق ممكن ،
واستعدادهم
لها
ومشاركتهم
فيها .
فالتنمية في
جوهرها تغيير
يحدث بواسطة
الناس من أجل
الناس ولابد
من أن يكون
شاملاً .
وفي
هذا الإطار
لابد من
التوفيق
العادل بين
حاجات الفرد
وحريته
وخصوصياته ،
وبين متطلبات
المجتمع
الاقتصادية
والاجتماعية
بحيث يتمتع
الفرد فيه
بحقوقه
الطبيعية
وينمو
باستمرار ،
ويحافظ على
شخصيته ، في
الوقت الذي
يخدم فيه
مجتمعه ،
ويضطلع
بأدوار
ومسؤوليات
تؤدي إلى
إعمار بلده
والعالم ،
وتحسين نوعية
الحياة على
سطح كوكب
الأرض .
وهكذا طرحت
منذ
السبعينيات
الميلادية من
هذا القرن
مسألة "
التنمية
البديلة "
القائمة على "
تنمية
الموارد
البشرية "
بلغة
الاقتصاد أو "
تنمية الطاقة
البشرية"
بلغة سائر
العلوم
الاجتماعية .
والتنمية
البديلة
تتمحور حول
الناس ، وحول
مشاركتهم في
التنمية
واستفادتهم
منها ، لتحسين
نوعية حياتهم .
وقد ارتكز هذا
التغيير في
مفهوم
التنمية
وأهدافها ،
ضمن تاريخ
التنمية
الحديث ، على
إعطاء اهتمام
أكبر للإنسان
الفاعل الذي
يحسن استثمار
الموارد
الطبيعية ،
مما يؤكد
مفهوم
المنظور
الإسلامي في
تحديد
مسؤولية
الإنسان
عن إعمار
الكون لا
استنزاف
موارده
وتدميره ،
لتصبح
التنمية
راسية في ذات
الناس وليست
في المؤسسات
والهياكل
المحلية
والدولية فقط .
لقد أضحت تقوم
على الفاعلين
الوطنيين ،
ولابد من
إيجاد مؤشرات
نوعية لتقويم
تنمية
الموارد
البشرية.(UN- Unesco, 1997,P.30) والفرقة
لم تدم طويلا
بين مفهوم
التنمية
القائم على
النمو
الاقتصادي
ومفهوم
التنمية
المطور
القائم على
النمو الشخصي
والاجتماعي ،
فسرعان ما
أخذت الأوساط
التنموية
بمفهوم
التنمية
الاجتماعية ،
وتبنته ،
وانتفى
التعارض
والخلاف
اليوم حول هذا
الأمر ، كما
زاد الحديث عن
مفهوم
المشاركة
والمجتمع
المدني
والمنظمات
غير الحكومية .
وقد
أدى هذا
الانفتاح
التنموي إلى
مزيد من
الاجتهادات
حول مفاهيم
التنمية
وأهدافها
فطرح في هذا
الإطار مفهوم
التنمية
الانعكاسية (Reflexive)
وهو
يشكل مفهوم
التنمية
البديلة
التشاركية
المتحورة حول
الناس ، ويزيد
عليها مفاهيم
ما بعد
التنمية (Post Developed)
على
غرار ما بعد
الحداثة، أو
الحداثة
الجديدة أو
المطورة ( Pieterse , 1998) .
أي معالجة
المشكلات
التي خلفتها
الحداثة أو
أعمال الفكر
النقدي في
البناء
الحضاري
الراهن بما
فيه العلم
والتكنولوجيا
. ولابد
للتنمية من
نظرة شاملة
متكاملة
متسقة.
ومنذ
الثمانينيات
، وبعد صدور
تقرير "
برنتلاند "
طورت الأمم
المتحدة
مفهوم
التنمية من
جديد ، فقد
أصبح من
الضروري
أيضاً أن تكون
التنمية
قابلة
للاستمرار
دون الإضرار
بالإنسان
والطبيعة
( الجلال 1995م ) .
وهذا
المفهوم
المطور
للتنمية حافل
بالمعاني
والمغازي ،
وهو يحمل
الخير
لمستقبل
البشرية ، وقد
اعتمده تقرير
اللجنة
الدولية
للتربية
برئاسة " جاك
ديلور " كإطار
وسياق
للتطوير
التربوي
(Delors, 1996) .
ومما
طورته الأمم
المتحدة
أيضاً مؤشر
التنمية
الإنسانية
(HDI– Human Development Index)
الذي
يغفل الناتج
القومي
الإجمالي
(GNP)
وسواه
من المؤشرات
التقليدية
للتنمية ، إذ
إنه يدخل في
احتسابه
الصحة
والتربية .
ومن
معاني مفهوم "
التنمية
القابلة
للاستمرار
دون الإضرار
بالإنسان أو
الطبيعة " ،
انطواؤه على
إتاحة المزيد
من " الفرص
أمام الجميع "
، بحيث ينمو
ويستمر في
النمو دون
عوائق ، ويشمل
ذلك إدخال
الأجيال
القادمة من
البشرية في
الحسبان ، فلا
يجوز بحسب هذا
المفهوم أن
تترك الأجيال
الحاضرة
للأجيال
اللاحقة
تناقصاً في
الفرص
المتاحة لهم .
وعطفاً على
ما تقدم عقدت
الأمم
المتحدة
واليونسكو
اللواء "
لعِقد
التنمية
الثقافية "
(1408- 1417هـ الموافق
1988 – 1997م ) على أساس
معاودة النظر
في مفهوم
التنمية
وتوسيعه
ليشمل على
سبيل المثال
الفنون
الجميلة
والآداب كذلك .
وقد نجم عن
قيام هذا
العِقد
الثقافي عدم
الرضا عن
عمليات
التنمية
القائمة
بالدرجة
الأولى على
الأهداف
الاقتصادية،
ولاشك أن
مؤشرات
التنمية
الاقتصادية
مهمة ولكنها
يمكن أن تؤدي
إلى فصل
الإنسانية عن
سياقها
الثقافي(UN,Unesco, 1997, P.50)
.
ومن
المفترضات
الضمنية هنا
أن التنمية
تحصل
بالتطابق مع
أنموذج صحيح
واحد . وهذه
مقاربة لا
تعادي
التنمية فحسب
بل إنها تعتبر
ضعيفة
اقتصادياً ،
لأنها تنكر
واقع التنوع
الثقافي في
العالم ،
فلابد
لاستراتيجيات
التنمية
المستجيبة
للحاجات
الإنسانية من
أن تأخذ بعين
الاعتبار
مختلف
الأنظمة
القيمية ،
والبيئات
والمقاربات
لشؤون الحياة
، التي تؤلف
النسيج
الإنساني .
والموارد
البشرية ليست
موارد نادرة،
إذا أعددناها
، ولكل امرئ
إسهامه . فبدون
التنوع
البشري ،
وبدون التنوع
الثقافي ،
يمسي العالم
مكاناً
فقيراً جداً
ومتخلفاً في
تنميته .
وهكذا نرى أن
التنمية
المطورة
المرغوب فيها
عالمياً
اليوم هي
تنمية شاملة
متكاملة
متسقة
اجتماعيا
واقتصادياً ،
تهدف إلى
إيجاد المزيد
من الفرص أمام
الجميع
لتحسين نوعية
الحياة ،
ولابد أيضاً
من أن تكون
قابلة
للاستمرار
دون الإضرار
بالإنسان
والطبيعة ،
وهذه كلها
خصائص تتوافق
مع التصور
الإسلامي
( مدكور 1413هـ
الموافق 1993م ) .